أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

26

شرح مقامات الحريري

بصل ، فقال له العتابي : أما النسبة فمعروفة ، وأما الاسم فمنكور ، فقال له إسحاق : ما أقلّ إنصافك ، أو ما كلثوم من الأسماء ! فالبصل أطيب من الثوم ! فقال له العتابي : قاتلك اللّه ، ما أملحك ! ما رأيت كالرجل حلاوة ، أيأذن أمير المؤمنين في صلته بما وصلني ، فقد واللّه غلبني ؟ فقال له المأمون : بل ذلك موفور عليك ، وأمر له بمثله . فانصرف إسحاق إلى منزله ، ونادمه العتابي بقية يومه . وكانت هشيمة الخمّارة تجيد الشراب ، فلما ماتت قال يرثيها : [ الكامل ] أضحت هشيمة في القبور مقيمة * وخلت منازلها من الفتيان كانت إذا هجر الحبيب محبّه * دبت له في السرّ والإعلان حتّى يلين لما تريد قياده * ويصير سيئه إلى الإحسان وهو إسحاق بن إبراهيم بن ماهان ، أصله فارسيّ ، وترك ماهان إبراهيم صغيرا فنشأ في بني تميم . وهذا الذي ذكرنا نبذة من أدبه . وأما محاسنه في الغناء فلا يأتي عليها الحصر ، قال الواثق : ما غنّاني إسحاق قطّ إلا ظننت أن قد زيد في ملكي ؛ وإن إسحاق نعمة من نعم الملك ، التي لم يحظ أحد بمثلها ؛ لو أن له العمر والنشاط ممّا يشتري لاشتريتهما بشطر ملكي . وحدّث حمّاد ابنه قال : حدثني أبي قال : غدوت يوما وأنا ضجر من ملازمة دار الخليفة . فركبت بكرة عازما أن أطوف في الصّحراء ، وأتفرّج ، وقلت لعلمانيّ : إن جاء رسول الخليفة فعرفوه أني ركبت في مهمّ ومضيت ، وطفت ما بدا لي ، وغدوت ، وعدت ، وقد حمي النّهار ، فوقفت في ظلّ جناح شارع لأستريح ، فلم ألبث أن خادم جاء يقود حمارا فارها عليه جارية تحتها منديل دبيقيّ . وعليها من اللباس الفاخر ما لا غاية وراءه ، فرأيت لها شمائل ظريفة وطرفا فاترا ، فحدّثت أنها مغنية ، فدخلت الدار التي كنت عليها واقفا ، فعلقها قلبي علوقا شديدا لم أستطع معه براحا ، وأقبل رجلان شابان ، لهما هيبة تدلّ على قدرهما ، وهما راكبان ، فأذن لهما فحملني حبّ الجارية وحسن حالهما أن توسلت بهما ، فدخلت معهما ، فظنّا أن صاحب الدار دعاني ، وظن هو أني معهما ، فجلسنا ، وأتي بالطعام فأكلنا ، وجيء بالشراب ، فخرجت الجارية ، وفي يدها عود ، فرأيت جارية حسناء ، فغنت غناء صالحا ، فتمكّن ما في قلبي منها ، وشربنا . ثم قمت للبول ، فسألهما صاحب المنزل عني ، فأنكراني ، فقال : هذا طفيلي ، ولكنه ظريف ، فأجملوا عشرته ، فجئت وجلست فغنّت في لحن لي : [ الطويل ] ذكرتك أن مرّت بنا أمّ شادن * أمام المطايا تشرئبّ وتسنح من المؤلفات الرّمل أدماء حرّة * شعاع الضّحى في وجهها يتوضّح